محمد أبو زهرة

4547

زهرة التفاسير

والاعتبار وبيان الأحكام والقصص والعبر ، وإيجاز وإطناب من غير فضول أو تطويل ، وزجر وترغيب وترهيب ، فمعنى قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ، أي من كل حال من أحوال الهداية والرحمة وشفاء الصدور مما يجعل الحق واضحا بين أيديهم ، فأتى سبحانه فيه بضروب البيان والمعرفة والهداية مما لم يجعل موضعا لريبة مرتاب ، أو مراء من القول ، ولكن الكافرين أثاروا القول حوله فمرة قالوا : إنه سحر ، وأخرى قالوا : إنه شعر ، وثالثة قالوا : أساطير الأولين ، ورابعة قالوا : علّمه بشر ، وهكذا كانت لهم أقوال باطلة فيه بمقدار ما تثيره أهواؤهم ، ويثيره جدلهم ؛ ولذا قال تعالى : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ، أي أكثر شئ من شأنه أن يجادل ويمارى جدلا ، وهي منصوبة على التمييز كما هي في قوله تعالى : أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً ، أي أن الإنسان أكثر ذوى الألسنة والقول جدا ، فهو أكثر جدلا من الملائكة وغيرهم ، بل إن الملائكة لا يجادلون . وإن الجدل من شأنه أن يضيع الحقائق بين المتجادلين ، وأن تتبعثر الحقائق على الأفواه ، فلا يضبط قول ، ولا يستقيم فكر ؛ ولذلك كان العلماء الربانيون ينهون عن الجدل ، وأشد من عرف بذلك الإمام مالك ؛ لأن مثارات الجدل هي مثارات الشيطان ، وإن الناس دائما يثيرون الجدل حول رسالات المرسلين ، ولا يقطع جدلهم إلا أن يأتيهم الهلاك أو العذاب ؛ ولذا قال تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا ( 55 ) . النَّاسَ هنا قيل إنهم أهل مكة ، وأميل إلى أن هذا بيان لطبائع الكافرين ، وأخص من ينطبق عليهم المشركون في مكة فقد أغروا بالجدل والمراءاة في الحقائق ، وهم قوم خصمون ، كما ذكر القرآن الكريم في أوصافهم ، وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى ، أي ما منعهم الإيمان ، وقد توافرت أسبابه وإذ جاءهم الهدى بالرسول أرسله اللّه إليهم ، وبالكتاب الحكيم نزّله هاديا مرشدا ، ما منعهم